ابن عجيبة

150

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما سأل رافع بن حريملة اليهودي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يريه آية ، كتفجير ماء أو غيره ، نزل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 108 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) قلت : ( أم ) للإضراب بمعنى بل ؛ وهو على قسمين : إما إضراب عن المعنى السابق ، أو لفظه فقط كما هنا ، انظر تفسير ابن عطية ، وإضافة الرسول إليهم باعتبار ما في نفس الأمر . وهو نص في إرساله إليهم كما أرسل إلى غيرهم . والضلال : التلف . و سَواءَ السَّبِيلِ : وسط الطريق . يقول الحق جل جلاله : أتريدون يا معشر اليهود أن تقترحوا على نبيكم الذي أرسلت إليكم ، وإلى كافة الخلق من غيركم الآيات ، وتسألوه أن يريكم المعجزات ، كما سألتم موسى من قبل فقلتم : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً تشغيبا وتعنتا ، وأبيتم عن الإيمان ، واستبدلتموه بالكفر والعصيان ، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فقد تلف عن طريق الحق والسداد ، ومأواه جهنم وبئس المهاد . الإشارة : لا يشترط في الولي ظهور الكرامة ، وإنما يشترط فيه كمال الاستقامة ، ولا يشترط فيه أيضا هداية الخلق على يديه ؛ إذ لم يكن ذلك للنبي فكيف يكون للولي ؟ قال تعالى : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وقد سرى في طبع العوام ما سرى في طبع الكفار ، قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً الآية . فكثير من العوام لا يقرون الولي حتى يروا له آية أو كرامة ، مع أن الولي كلما رسخت قدمه في المعرفة قلّ ظهور الكرامة على يديه ؛ لأن الكرامة إنما هي معونة وتأييد وزيادة إيقان . والجبل الراسى لا يحتاج إلى عماد . والحق هو ما قاله الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : ( وإنهما كرامتان جامعتان محيطتان : كرامة الإيمان بمزيد الإيقان على نعت الشهود والعيان ، وكرامة العمل على السنة والمتابعة ، ومجانبة الدعاوى والمخادعة ، فمن أعطيهما ثم اشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب ، أو ذو خطأ في العلم والفهم ، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضى والكرامة ، ثم جعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا ) أو كما قال رضي اللّه عنه . وقال شيخنا رضي اللّه عنه : ( الكرامة الحقيقية هي الأخلاق النبوية والعلوم اللدنية ) . فمن أنكر أولياء أهل زمانه وطلب منهم الدليل غير ما تقدم فقد ضل سواء السبيل ، وبقي مربوطا في سجن البرهان والدليل . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .